المسعودي

36

مروج الذهب ومعادن الجوهر

المغرب : وأما المغرب فَيُقَسِّي القلب ، ويوحش الطبع ، ويطيش اللُّبَّ ( 1 ) ويذهب بالرحمة ، ويكسب الشجاعة ، ويقشع الضراعة ، وفي أهله غَدْر ، ولهم خبث ومكر ، ديارهم مختلفة ، وهممهم غير مؤتلفة ، ولديارهم في آخر الزمان نبأ عظيم ، وخطب جسيم : من أمر يظهر ، وأحوال تبهر . العراق : وأما العراق فمنار الشرق ، وسُرَّة الأرض وقلبها ، اليه تحادرت المياه ( 2 ) ، وبه اتصلت النضارة ، وعنده وقف الاعتدال ، فصَفت أمزجة أهله ، ولطفت أذهانهم ، واحتدَّتْ خواطرهم ، واتصلت مسراتهم ( 3 ) ، فظهر منهم الدهاء ، وقويت عقولهم ، وثبتت بصائرهم ، وقلْبُ الأرض العراق وهو المجتبى من قديم الزمان وهو مفتاح الشرق ، ومسلك النور ومسرح العينين ، ومدنه المدائن وما والاها ، ولأهله أعدل الألوان ، وأنْقى الروائح ، وأفضل الأمزجة ، وأطوع القرائح ، وفيهم جوامع الفضائل ، وفوائد المبرات ، وفضائله كثيرة ، لصفاء جوهره ، وطيب نسيمه ، واعتدال تربته ، وإغداق الماء عليه ، ورفاهية العيش به . الجبال : وأما الجبال فتخشن الأجسام وتغلظها ، وتبلد الأفهام وتقطعها ، وتفسد الأحلام ، وتميت الهمم ، لما هي عليه من غلظ التربة ، ومتانة الهواء ، وتكاثفه ، واختلاف مهابه ، وسوء متصرفاته . والأخلاق والصور - يا أمير المؤمنين - تناسب البلد وتحاذيه ، وتقاربه ، وتوافقه وتضاهيه ، وكل بلد اعتدل هواؤه ، وخف ماؤه ، ولطف غذاؤه - كانت صور أهله وخلائقهم تناسب البلد وتحاذيه ، وتشاكل ما عليه أركانه ، وما أسس عليه بنيانه وكل بلد يزول عن الاعتدال ، انتسب أهله إلى سوء الحال .

--> ( 1 ) هذه الجمل سقطت من بعض النسخ . ( 2 ) في بعض النسخ : اليه تطاردت المياه . ( 3 ) في بعض النسخ : وتصلبت مرائرهم .